محمد بن جرير الطبري

23

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ ولا أن تبدل بالمسلمات غيرهن من النصارى واليهود والمشركين وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا جرير ، عن منصور ، عن أبي رزين ، في قوله : لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ نكاح النبي قال : لا يحل لك أن تتزوج من المشركات إلا من سبيت فملكته يمينك منهن . وقال آخرون : بل معنى ذلك : نكاح النبي ولا أن تبدل بأزواجك اللواتي هن في حبالك أزواجا غيرهن ، بأن تطلقهن ، وتنكح غيرهن . ذكر من قال ذلك : حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : ثنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ نكاح النبي يقول : لا يصلح لك أن تطلق شيئا من أزواجك ليس يعجبك ، فلم يكن يصلح ذلك له . وقال آخرون : بل معنى ذلك : ولا أن تبادل من أزواجك غيرك ، بأن تعطيه زوجتك وتأخذ زوجته نكاح النبي . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ نكاح النبي قال : كانت العرب في الجاهلية يتبادلون بأزواجهم . يعطي هذا امرأته هذا ويأخذ امرأته ، فقال : لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ لا بأس أن تبادل بجاريتك ما شئت أن تبادل ، فأما الحرائر فلا ؛ قال : وكان ذلك من أعمالهم في الجاهلية . وأولى الأقوال في ذلك بالصواب ، قول من قال : معنى ذلك : ولا أن تطلق أزواجك فتستبدل بهن غيرهن أزواجا . وأنما قلنا ذلك أولى بالصواب ، لما قد بينا قبل من أن قول الذي قال معنى قوله : لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ نكاح النبي لا يحل لك اليهودية أو النصرانية والكافرة ، قول لا وجه له . فإذ كان ذلك كذلك فكذلك قوله : وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ كافرة لا معنى له ، إذ كان من المسلمات من قد حرم عليه بقوله لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ الذي دللنا عليه قبل . وأما الذي قاله ابن زيد في ذلك أيضا ، فقول لا معنى له ، لأنه لو كان بمعنى المبادلة ، لكانت القراءة والتنزيل : ولا أن تبادل بهن من أزواج ، أو : ولا أن تبدل بهن بضم التاء ؛ ولكن القراءة المجمع عليها . ولا أن تبدل بهن ، بفتح التاء ، بمعنى : ولا أن تستبدل بهن ، مع أن الذي ذكر ابن زيد من فعل الجاهلية غير معروف في أمة نعلمه من الأمم : أن يبادل الرجل آخر بامرأته الحرة ، فيقال : كان ذلك من فعلهم ، فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن فعل مثله . فإن قال قائل : أفلم يكن لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتزوج امرأة على نسائه اللواتي كن عنده ، فيكون موجها تأويل قوله : وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ إلى ما تأولت ، أو قال : وأين ذكر أزواجه اللواتي كن عنده في هذا الموضع ، فتكون الهاء من قوله : وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ من ذكرهن وتوهم أن الهاء في ذلك عائدة على النساء ، في قوله : لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ قيل : قد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتزوج من شاء من النساء اللواتي كان الله أحلهن له على نسائه اللاتي كن عنده يوم نزلت هذه الآية ، وإنما نهي صلى الله عليه وسلم بهذه الآية أن يفارق من كان عنده بطلاق أراد به استبدال غيرها بها ، لإعجاب حسن المستبدلة له بها إياه إذ كان الله قد جعلهن أمهات المؤمنين وخيرهن بين الحياة الدنيا والدار الآخرة ، والرضا بالله ورسوله ، فاخترن الله ورسوله والدار الآخرة ، فحرمن على غيره بذلك ، ومنع من فراقهن بطلاق ؛ فأما نكاح غيرهن فلم يمنع